الرئيسية » قصص انسانية »
27 شباط 2025

يا ليت لي أكثر من يدين اثنتين.. لأحملَ أطفالاً أكثر

كيف يواجه ضباط الإسعاف حالات النزوح في مخيمي طولكرم؟

يبدو المشهد في مخيم نور شمس للاجئين الفلسطينيين الواقع في شمال الضفة الغربية المحتلة، كأن زلزالاً ضرب أزقة المخيم: بيوتٌ مهدمة، وشوارع مُحفرة، نازحون فارونَ من إطلاق النار وقصف الطائرات المسيرةَ، ومسعفون ومتطوعون يبحثون عن الحياة في مشهد طغى عليه الموت.

يتدرب المسعفون والمتطوعون في جمعيات الهلال الأحمر والصليب الأحمر، على كيفية التعاطي مع الأزمات ومواجهتها، ومع زلزال هنا، وفيضان هناك، انهيار مبنى هنا، وحادث طرقٍ هناك، إلا في فلسطين حيث يضطرون لتطبيق ما تعلموه في مواجهة زلزال مستمرٍ اسمه الاحتلال.

أفاق معتز جمعة (40 عاما)، المسعف في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، على يومٍ بدا صعباً منذ ساعاته الأولى، عشرات الفلسطينيين المحاصرين في مخيم نور شمس، يستغيثون لإخلائهم من منازلهم بعد محاصرة جيش الاحتلال لحيٍ في المخيم، وينتظرون طواقم الهلال لتأمين خروجهم.

يحملُ معتز طفلاً وطفلة بكلتا يديه، يفكر بأطفاله في المنزل، ويتمنى لو أنه يملك أكثر من يدين اثنتين ليحملَ أطفالاً أكثر من حي حاصره الاحتلال، يسيرُ بهم إلى بر الأمان، قد يطلق الجنود النار في أية ثانية، لكنه مصرٌ على العودة ثانيةً لإجلاء المزيد.

انضم معتز جمعة من بلدة بيت ليد بطولكرم إلى جمعية الهلال الأحمر في عام 2006 كأختصاصي تربية خاصة، والتحق بدائرة الإسعاف عام 2019، كونه يحمل رخصة لقيادة سيارة الإسعاف والتحق بدورات إسعاف متقدمة.

ويصف جمعة مشاهد النزوح بالصعبة جداً، فالناس يرون في مسعفي ومتطوعي الهلال الأحمر الفلسطيني وسيلة نجاتهم الوحيد من جنود الاحتلال الإسرائيلي، مشيراً إلى صعوبة التنسيق لإخلاء النازحين والمرضى.

وأضاف: "هناك صعوبة حتى في نقل الحالات المرضية، وهو ما زاد العبء على سيارات الإسعاف، حتى بات كل مريض بحاجة لدخول المستشفى لسيارة إسعاف لنقله كون العديد من الناس لديهم خوف من جنود الاحتلال. مؤكداً أنه كان هناك ضغط كبيرفي العمل".

 

احتجاز لـمدة ١٧ ساعة:

تعرض جمعة والطاقم المرافق له للاحتجاز لمدة 17 ساعة، خلال ذهابهم لإخلاء عائلة في مخيم طولكرم عقب حصولهم على تنسيق، إلا أنه تم احتجازهم وتقييدهم.

وقال: " عند احتجازي تبادر لذهني فوراً ما الذي سيحصل لعائلتي، وخصوصاً عندما أخبرني جيش الاحتلال أنه سيتم اعتقالي، عشت ساعات عصيبة جدا، فكرت في أطفالي وفي عائلتي، الذين لم أستطع رؤيتهم إلا نصف ساعة خلال الأيام الخمسة الماضية".

وأكد جمعة أن هذه المواقف تؤثر فيهم نفسيًا، بسبب عدم قدرته على رؤية أطفاله وعائلته، إلا أنه يصر على العودة للعمل والتطوع، فهو دائم الوجود  في الميدان حتى أنه يتطوع خارج أيام الدوام مستخدماً سيارته الشخصية.

 

صندوق الذكريات:

ويستعرض جمعة أحد المواقف الصعبة التي علقت وأثرت به، قائلًا بأنه عند ذهابهم هو وزملاؤه لإخلاء عائلة الشهيدة رهف الأشقر من مخيم نور شمس، وعقب قطعهم لمسافة بعيدة عن البيت، طلبت شقيقة الشهيدة منهم العودة، لأنها نسيت صندوقا وضعت فيه أغراض شقيقتها الشهيدة كذكرى تبقى معها.

يقول: "دمعت عيني عندما رأيت أغراض الشهيدة التي أرادت شقيقتها الاحتفاظ بها، والتي ربما يراها الناس أشياء عادية، ولكنها ذكريات أرادت التمسك بها مثل الصور، والكاسات، وفرشاة أسنانها حتى إنها عرضت نفسها للخطر مقابل الحفاظ عليها".

 

التطوع حياة:

وأوضح جمعة أن هناك عدداً كبيراً من الممرضين المتطوعين الذين، رغم الظروف الصعبة، قرروا التطوع كي يقدموا  الدعم والمساعدة للمواطنين، مؤكدًا أن هناك العديد من الممرضين في مخيم طولكرم شكلوا مجموعة، وبدأوا بتقديم الاسعاف الاولي للمصابين ومن ثم يقومون بنقلهم إلى سيارات الإسعاف، عدا ذلك فإنهم يقومون بإيصال المصابين إلى أطراف المخيم عقب تقديمهم الإسعاف الأولي لهم، لأن سيارات الإسعاف لا تستطيع الوصول إليهم.